الثلاثاء، 23 يوليو، 2013

13- جدتي

  جاءتني وهي مريضة لتعطيني بعض من الليمون الأخضر وجلست لتمشط شعرها الأبيض الخفيف فى محاولة منها لتضفير ما تبقى منه
كان ذلك فى اخر مرة زارتني فيها فى منام ما ومن بعدها لم تأت
كنت قد نويت بعد ان حلمت بها اكثر من مرة ان ازور قبرها وكلما أقبلت على فعل ذلك لم تسمح الظروف فأنا فى الغالب لا اذهب لبلدتي كثيرا او قد يحدث ظرف ما او يتأخر الوقت وفي كل الاحوال لم أذهب الى الأن

أوقات كثيرة أحدث نفسي اني مقصرة بحقها وانه يجب على الاتصال بها لأطمئن عليها وانها بالتأكيد غاضبة مني ثوان قليلة لأتذكر أنها قد توفت

رحلت منذ عامين او اكثر وقد كانت فى التسعين من عمرها تقريبا كنت قد رأيتها قبل وفاتها بشهرين  ذهبت اليها فى بيت عمي لاخبرها بموعد زفافي كانت قد بدأت تعاني من بعض اعراض الزهايمر تذكرنا ولكن تهرب منها تفاصيل كثيرة فالبرغم من انني صباح يوم خطبتى ذهبت اليها واحضرتها لتقضى اليوم عندنا الا انها تعاملت مع خبر زفافي وتفاصيله كأنها تسمع به للمرة الأولى وظلت توبخني كثيرا لأنني سأتزوج بعيدا و كيف للفرح ألا يكون فى بلدتنا وبأنني سأرهق العائلة معي حاولنا كثيرا ان نقنعها ان الطريق كله قد لا يتعدى النصف ساعة الا انها اصرت على موقفها وقالت غاضبة انا لو بصحتى كنت لازم اجوزك هنا
ضحكنا معاها وحاولنا تذكيرها بأمور عدة كانت تذكر قليلا او تتدعي انها تذكر لتضحك معنا

  كنت انا المفضلة لديها من بنات العائلة لعل سبب ذلك انها قد شهدت طفولتي كاملة حتى العاشرة لقد كانت تجيد الخياطة ولديها مكنتها الخاصة التى تفصل عليها لنا ملابسنا الصغيرة وتصنع الدمى وتحشوها بالقصاقيص التى لم تعد بحاجة لها وتفصل لها الثياب التي تناسبها وتبهرنا
كانت تجمع الملابس الصوفية القديمة وتقوم  بفكها ولف خيوطها بألوانها المختلفة حتى تجمع منها الكثير فتصنع بها مشايات صغيرة تقوم بغزلها بنفسها و بتنسيق أشكالها والوانها بما وفرته من خيوط

لي كثير من الذكريات معها فى مختلف مراحل عمري فهي برغم حبها الشديد لي الا انها كانت دائما تنقدني لا يعجبها العجب فكانت دائما تنتقد طريقتي في التشبه بالأولاد خاصة فى الملبس وخروجي الدائم والسفر وتأخري من وجهة نظرها فى الزواج كان لا يعجبها شيئا

 لسنوات كانت مقيمة فى بيت عمتي وكنت انا بسبب صداقتي لبنات عمتي اقضى معهم معظم الوقت فكانت طيلة الوقت تبحث عني للتأكد اننى تناولت الطعام كأنني طفلة صغيرة
وفي الصباح تأتي لتوقظني فى موعد عملي وقد توقظ معي كل البيت حتى تتأكد اننى سألحق بموعدي وتعد لى فطورا معها تصر ان اشاركها اياه وتبدأ فى وصلة من النصح لا تنقطع حتى اغادرها

كانت اذا بدأت فى سرد الذكريات حدثتني عن جدي رحمه الله والذى لم آره كانت برغم تجاوزها الثمانين فى ذلك الوقت الا انها كانت تتذكر آبيات الشعر التى كان يسمعها اياها وكيف كان يحبها وانها تزوجت صغيرة ولا يخلو الحديث بالطبع عن بيت العائلة  والحروب التى مرت بهم والثورات

وكانت اذا قررت الذهاب للطبيب تفضل الخروج معي وياله من يوم لو أنها نوت ان نذهب سيرا على الاقدام وهي عجوز مريضة لا تقوى على السير لوقت طويل فتستند على معصمي  و تقف امام كل البيوت التى تقابلنا لتنظر بتعجب وتسألنى لمن هذا البيت ؟ او متى بُني ؟ وتقص علي قصص بعض الناس التي تعرفهم، وتشتكي من الزحمة والسيارات خاصة لو انها نوت زيارة اكثر من طبيب فى نفس اليوم

كنت كثيرا ما أتأمل تجاعيد يدها ووجها وهى التى يتضح منها انها كانت جميلة جدا ذات يوم فهي بيضاء زرقاء العين صغيرة الملامح 
 فأين هي مما كانت عليها منذ أكثر من سبعين عاما
كنت كلما رأيتها تضعف وتشيخ تمنيت من الله الا يطيل في عمري ابدا لهذا السن
ولو انى اعلم انى سأفتقد جلستى معها وحوراتنا سويا لكنت بالطبع حرصت اكثر على الاهتمام بها والانصات لها

بخلاف الحنين لها والندم على اوقات قد تكون فاتتني معها
الا اننى بالتأكيد اتيقن تماما من امر هام أنها برغم كل توبيخها وانتقادها الدائم الا انها كانت تحبني بصدق
ذلك الحب الذي لا سبب له ولا يزول ولا يزايد عليه بحب اخر ولا يقارن
انها اكثر الناس الحقيقية بحياتي
رحمها الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.